المقريزي

332

إمتاع الأسماع

دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحبس الهدي بذي طوى ، ودخل عليه السلام مكة من الثنية ( 1 ) التي تطلع على الحجون ، وقد ركب القصواء ، وأصحابه حوله متوشحو السيوف يلبون ، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته ، فلم يزل عليه السلام يلبي حتى استلم الركن . وقيل : لم يقطع التلبية حتى جاء عروش مكة . طواف المسلمين بالكعبة وتحدثت قريش أن المسلمين في جهد ، ووقفت منهم جماعات عند دار الندوة ، فاضطبع ( 2 ) عليه السلام بردائه ، وأخرج عضده اليمنى ، ثم قال : رحم الله امرءا أراهم اليوم قوة ! فلما انتهى إلى البيت - وهو على راحلته ، وابن رواحة آخذ بزمامها ، وقد صف له المسلمون - دنا من الركن فاستلمه بمحجنه ( 3 ) وهو مضطبع بثوبه ، وهرول هو والمسلمون في الثلاثة الأشواط الأول ، وكان ابن رواحة يرتجز ( 4 ) في طوافه ، وهو آخذ بزمام الناقة ، فقال عليه السلام : إيها ( 5 ) يا بن رواحة ! قل : لا إله إلا الله وحده ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وأعز جنده ، وهزم الأحزاب وحده ! فقالها الناس . فلما قضى طوافه خرج ( 6 ) إلى الصفا فسعى على راحلته ، والمسلمون يسترونه من أهل مكة أن يرميه أحد منهم أو يصيبه بشئ . نحر الهدي عند المروة ووقف عند فراغه قريبا من المروة - وقد وقف الهدي عندها - فقال : هذا المنحر ، وكل فجاج مكة منحر . ونحر عند المروة . وكان قد اعتمر معه قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا ، وشركه في الهدي من شهد الحديبية ، فمن وجد بدنة من الإبل نحرها ، ومن لم يجد بدنة رخص له في البقرة ، وكان قد قدم رجل ببقر فاشتراه الناس منه . وحلق عليه السلام عند المروة ، حلقه معمر بن عبد الله

--> ( 1 ) في ( خ ) " البنية " . ( 2 ) الاضطباع : هو أن يدخل الطائف رداءه من تحت إبطه الأيمن ويغطى به الأيسر من جهتي صدره وظهره . ( 3 ) المحجن : عصا معقفة الرأس . ( 4 ) ارتجز : ترنم بالرجز من الشعر . ( 5 ) إيه طلب الاستزادة من الكلام إيها : طلب السكوت . ( 6 ) في ( خ ) " وخرج " .